http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm
118
الجواب بديهي، بحسب السلطات الأميركية؛ قال
الحاكم الإداري الأميركي للعراق
بول بريمر مؤخرا: //حيا أو ميتا، هذا
الرجل انتهى في العراق//. الخطأ في
هذا التحليل هو أنه وضع من منظور ضيق لشخص يلعب لعبة الجيو-سياسة
من
موقع القوة التقليدية، وهو يقيس، من جراء ذلك، الربح والخسارة من منظور غاية في قصر الأمد. لكن لعبة الجيو-سياسة
تبدو مختلفة في حال لعبتها من موقع الضعف النسبي. في هذه الحالة، عليك أن تهيئ
نفسك للعب في الوقت الإضافي. لننظر كيف قد تبدو الحرب في العراق من موقع صدام
حسين.
في العام 1958، أسقط القوميون المتطرفون
الملكية في العراق ووضعوا عبد الكريم قاسم في السلطة. اعتبرت الحكومة (العراقية)
نفسها، في ذلك الحين، حكومة ثورية ذات إشعاع عربي. أخرج قاسم العراق من حلف بغداد
المدعوم أميركيا. أمم جزءا من صناعة النفط. كان يحظى بدعم الحزب الشيوعي العراقي.
بدا، بالنسبة للأميركيين، وكأنه يتحرك نحو جعل العراق حليفا أكثر قربا من الاتحاد
السوفياتي. كان هناك انقلاب ثان، في العام 1963، أوصل حزب البعث إلى السلطة. لقد
كان البعث حزبا علمانيا اشتراكيا، حركة قومية عربية لها إمتدادات
في دول عربية عدة، كما كانت عدائية تجاه الأحزاب الشيوعية. يعتقد، بشكل
واسع، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية
/سي آي ايه/ ساعدت البعث على الوصول
إلى السلطة في العراق حيث قمع الحزب الشيوعي.
في ذلك الحين، كان صدام رجلا شابا، ذكيا
وقاسيا، يتسلق سلم القيادة في حزب البعث، ويمت بصلة قربى للرئيس الجديد. في العام 1979، قاد انقلابا
دمويا على قريبه وأصبح حاكم العراق. بدأ عملية تطهير
متواصلة ضد خصومه. ماذا كان يريد صدام إلى
جانب أن يكون في السلطة؟ أراد تقوية
دور العرب في السياسات الدولية. كان يؤيد وحدة عربية أكبر، ويرى نفسه، على الأرجح،
القائد الطبيعي للعالم العربي، صلاح الدين الجديد. كان هناك، من دون شك، كثر ممن
كانوا يطمحون إلى هذا الدور، لكن، مع غياب (جمال) عبد الناصر،لم يكن
أيا منهم قويا. عدا ذلك، كانت بغداد دوما، إلى جانب القاهرة، المطالبة بوضع مركزي
في العالم العربي المسلم.
رأى صدام أن لأهدافه أعداءا
كثرا، الأقوى بينهم، في العالم العربي، كانوا الشيوعيين والإسلاميين
الذين يكرهونه. أما في باقي العالم، فكانتا إسرائيل وإيران اللتين تكرهان صدام
أيضا، إضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا اللتين كانت كل منهما تأمل في أن يكره
صدام الأخرى أكثر مما يكرهها. لم يكن صدام قادرا
على مقاتلة كل أعدائه دفعة واحدة.
تمكن، من دون أن يقطع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي، أن يبرم اتفاقا ضمنيا مع
الولايات المتحدة في عهد رونالد ريغان. كان دونالد رامسفيلد، وليس أي شخص آخر، من
زار العراق لوضع اللمسات النهائية عليه. فماذا
كانت هذه الصفقة؟ أن يهاجم العراق إيران. كان ذلك، جزئيا، بهدف السيطرة على مزيد
من الأراضي، وإضعاف خصومه الشيعة داخل العراق، وتحقيق هيبة قومية عربية، وتقوية
جيشه. كانت الولايات تنظر إلى إيران، في ذلك الوقت، على أنها الخطر الأكبر الذي
يهدد مصالحها في العالم العربي، ولذلك كان ذلك (الهجوم العراقي على إيران) فكرة
رائعة وأعطت واشنطن صدام حسين، مباشرة (وعبر حلفائها مثل السعودية) الأسلحة،
التقليدية منها والبيولوجية والكيميائية، إضافة إلى الدعم الاستخباراتي. (لنكن
عادلين، كانت فرنسا من أعطت العراقيين، في مرحلة سابقة، العون الأول في مسعاهم
لامتلاك أسلحة نووية، لكن الإسرائيليين قصفوا، في حينه، هذه المنشآت).
كانت الحرب العراقية الإيرانية سببا للافلاس، من وجهة نظر صدام حسين. فبعد ثمانية أعوام من
الصراع، عاد كل من الطرفين إلى نقطة البداية بعدما عانى من خسائر ضخمة في الأرواح
والموارد. ومع ذلك، أبقت الحرب الإيرانيين منشغلين
وهو ما شكل نقطة إيجابية بالنسبة للولايات المتحدة. طالب صدام بمكافأة. كانت كل من
الولايات المتحدة والسعودية بطيئة في الاستجابة. في هذه اللحظة، انهار الاتحاد
السوفياتي وانتهت الحرب الباردة. رأى صدام حسين في ذلك أمرا يمكن الاستفادة منه
كثيرا، وليس شيئا سلبيا. لقد كان الاتحاد السوفياتي ممول أسلحة دائم للعراق،
لكن ثمن ذلك كان عدم قيام بغداد بأي شيء
يمكن أن يضر بالعلاقات الأميركية -السوفياتية.
بات صدام الآن، أخيرا، حرا من هذا القيد.
في العام 1990، كان العراق في أزمة اقتصادية،
وأسعار النفط منخفضة في الأسواق العالمية وتكاليف الحرب الإيرانية ثقيلة الوطأة.
كانت الكويت تصر على استعادة القروض (التي قدمتها لبغداد) خلال الحرب العراقية
الإيرانية، وربما كانت أيضا تسرق النفط العراقي عبر آبار
حفرتها بشكل مائل. كما أن للعراق مطلبا تاريخيا
في الكويت التي يعتبر العراقيون أنها كانت جزءا من منطقتهم في عهد الإمبراطورية
العثمانية وقد تم فصلها بصورة اعتباطية على أيدي
البريطانيين بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا، قرر صدام أن حل مشاكله الاقتصادية
كان في احتلال الكويت الذي يعتبر أيضا مطلبا
قوميا عراقيا كان سيجعل العراق، في ما لو نجح، البلد الأول في العالم العربي. كان
يمكن للعراق حتى أن يكون منقذ فلسطين حيث كانت المفاوضات بين منظمة التحرير
الفلسطينية والإسرائيليين
قد انهارت للتو.
ربما كانت حسابات صدام على الشكل التالي: لا شك
وأن غزو الكويت سيعتبر عدوانا، لكن هل أستطيع المضي به؟ من سيرد؟ وحدها الولايات
المتحدة ستكون في موقع القادر على القيام بأي
شيء جدي، وقد كانت، منذ مدة طويلة، متأرجحة في علاقتها بالعراق. وكما نعرف جميعا
الآن، لقد أبلغت السفيرة الأميركية ابريل غلاسبي صدام، قبل أيام قليلة من الغزو،
أن الولايات المتحدة على الحياد في الخلاف الدبلوماسي العراقي الكويتي. لذلك، فكر
صدام بأن الولايات المتحدة أما أنها ستكتفي بالشجب وإما ستقوم
بردة فعل. في الحالة الأولى سيكون صدام قد ربح، وفي الحالة الثانية ستكون هناك
حرب. في أغلب الظن، سيخرج العراق في حالة الـ"لا خاسر" لأن
الولايات المتحدة لن تجرؤ على غزوه. كان مصيبا بالطبع، للأسباب التي أعطاها الرئيس
جورج بوش الأب والجنرال شوارزكوف في ذلك الحين. سيكون الغزو مكلفا جدا في الأرواح
الأميركية والاحتلال مكلفا جدا سياسيا كما أن السعودية وتركيا خشيتا تفتت العراق،
وكنتيجة لذلك، قيام دولة شيعية في الجنوب
وأخرى كردية في الشمال.
لذلك، تمكن صدام، عندما انتهت حرب الخليج
الأولى، من التوصل إلى هدنة على الخطوط التي انطلق منها. مني ببعض الخسائر: فقد
جزءا من جيشه وسلاحه الجوي. نشأت، عمليا، دولة كردية في
الشمال ولكن من دون قيام دولة شيعية في الجنوب. بات خاضعا لنظام فرضته الأمم
المتحدة للتخلص من أسلحة الدمار الشامل التي يملكها. مع الوقت، تمكن من طرد مفتشي الأمم المتحدة في العام 1998 لكنه
خسر معظم ترسانته من أسلحة الدمار.
عندما وصل جورج بوش الابن إلى السلطة، علم صدام
أنه في مشكلة، خاصة وأن معظم مستشاري الرئيس الأميركي سبق ودعوا علنا، قبل ذلك
بسنوات قليلة، إلى إسقاط الرئيس العراقي. ومن ثم جاء 11 أيلول. يجب أن يكون صدام
قد علم أنه هو، وليس اسامة بن لادن، من سيدفع الثمن. لذلك، استدعى مفتشي الأمم
المتحدة كونه كان يعلم أنهم لن يعثروا على شيء لأنه كان قد دمر،
على ما يبدو، أسلحة الدمار الشامل (أو أنه لم يستبدل تلك التي سبق ودمرتها فرق
التفتيش السابقة). لكن سرعان ما بات واضحا أنه لا يمكن لصدام أن يفعل شيئا يمكن أن
يمنع الغزو الأميركي وذلك لأن الهدف منه كان إسقاطه وفرض
الإرادة الأميركية في المنطقة.
لماذا لم
يعلن عندها أن ليس لديه أسلحة دمار شامل طالما لم تعد لديه أي
منها؟
في الواقع، لقد فعل لكن أحدا لم يصدقه. إذا، ماذا يستطيع أن يفعل؟ كان يعلم قوة
جيشه المحدودة، وكان يعلم أنه سيخسر الحرب.
في حال كنت صدام وكنت تعلم أنك ستخسر حرب الخليج الثانية، ماذا كنت ستفعل؟
بديهيا، التحضير لحرب الخليج الثالثة. كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟ أولا، عليك التأكد
من نجاة أكبر قدر ممكن من المقاتلين الشرسين الأكثر موالاة لك، برغم أن أعدادهم
قليلة نسبيا أصلا. لذلك سيكون عليك أن تجعل المقاومة تنهار بشكل مبكر ومفاجئ
ومسرحي. ثانيا، سيكون عليك أن تخلق حالة من الفوضى العارمة عبر النهب والسرقة
المنظمين. وثالثا، سيكون عليك أن تبدأ حرب عصابات تستهدف أولا الجنود الأميركيين
وثانيا المتعاونين معهم.
عندما ستجلس وتنتظر تآكل الموقف الأميركي.
ستتوقع، مع الوقت، بروز توجهين حاسمين في الرأي العام: الأول في الولايات المتحدة
حيث ستؤدي الخسارة التدريجية في
الأرواح وعدم القدرة على إدارة الأمور في العراق وخيبات الأمل من إدارة بوش، إلى
تآكل الدعم الأميركي للعملية. أما الثاني ففي العراق حيث ستختفي، مع الوقت، صورة
صدام الجلاد لتعطي مكانها إلى صورة صدام المقاوم الوطني. حتى ولو تمكنت الولايات
المتحدة من العثور عليه وقتله، فإن صورته قد تبقى.وفي كل الأحول فإن صورة الولايات
المتحدة، كمحررة، ستتحطم.
هذا
وضع أقل جودة من أن تكون صلاح الدين. لكنك، إذا كنت ضعيفا، عليك أن تكتفي بما
تستطيع الحصول عليه. يعتقد بوش أنه سيكون قد فاز إذا ما أسقط صدام حسين. لكن صدام
يعتقد أنه سيكون قد فاز إذا ما أسقط بوش. سنرى من منهما على حق.
ايمانويل والرشتاين
"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل
الحقوق محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد
الالكتروني وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى
الدراسة من غير تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا
و/او بغير ذلك من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات،
يرجى الاتصال بالمؤلف على iwaller@binghamton.edu فاكس:”
1-607-777-4315
هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي
الى ان تكون انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس
العناوين الصحافية الآنية.