Fernand Braudel Center, Binghamton University

http:\\fbc.binghamton.edu/commentr.htm

 

التعليق الرقم 125 - 15 تشرين الثاني 2003

 

//ما هي الواقعية في العراق؟//


فيما تواجه الولايات المتحدة المزيد من الصعوبات في العراق، تزداد شراسة الصقور الاميركيين في مهاجمة المشككين. فهم يتهمون المشككين بفقدان الصلة بما يجري. ويقولون ان هذا هو سبب الصعوبة التي تعاني منها الولايات المتحدة.

في نهاية المطاف، ليس العراقيون بل رسل التشكيك هم الذين يقال انهم يؤذون مصالح الولايات المتحدة. وتعرضت انا لهجوم اعتبرت فيه نموذجا //للوهم المشوش// وذلك في مقال لفيكتور دايفس هانسون في عدد 13 تشرين الاول 2003 من صحيفة // ناشيونال ريفيو// مطبوعة الرأي الاميركية الاولى لدى المحافظين. ها هو الدليل الذي يسوقه هانسون:

//حذر ايمانويل والرشتاين من امكان وقوع حرب طويلة ومرهقة، رافضا سيناريو تحقيق انتصار سريع قائلا// ان انتصارا سريعا وسهلا وهذا امل الادارة الاميركية بطبيعة الحال، هو (النتيجة) الاقل ترجيحا. انني اعطيه حظا واحدا من عشرين//- قبل ان يستنتج ان // الهزيمة التي تبدو غير واردة (لكنها كانت تبدو كذلك في فيتنام)، هي نتيجة معقولة//. 

ما يقتبسه هانسون من مقال كتبته في مجلة //قورين بوليسي// في عدد تموز /آب 2002، لا يبدو لي اليوم كشيء يجب ان احمر خجلا منه. صحيح انني، الى جانب قسم كبير من الناس، توقعت ان يتخندق صدام حسين في المدن الكبرى وان يخوض حربا من بيت الى بيت. لكن يبدو انه كان اذكى منا. لقد قرر عوضا عن ذلك ان يخوض حرب عصابات. يقول سكوت ريتر وهو ضابط سابق في المارينز و عمل في فرق مفتشي الامم المتحدة في اواسط التسعينات، انه اطلع في تلك الفترة على برنامج رسمي لشن حرب عصابات في حال حصل اجتياح، وسلم الوثيقة الى السلطات الاميركية. وفي عدد 13 تشرين الثاني 2003 من //الواشنطن بوست//، نقل عن قائد الفرقة 82 المنقولة جوا الجنرال تشارلز سواناك المسؤول عن العمليات القتالية في جنوبي المثلث السني اتفاقه مع الخطوط الرئيسية لهذا التقييم:

 

// اعتقد ان صدام حسن اعتزم اطلاق تمرد فيما لو سقط العراق. لهذا السبب يمكنكم رؤية الكثير من مخازن الاسلحة المنتشرة باعداد كبيرة في مختلف ارجاء البلد. لقد خططوا للمتابعة وخوض تمرد//.     


اذا، دعونا نلقى نظرة على النقطة التي وصلنا اليها. من الواضح ان الولايات المتحدة لم تحقق نصرا سريعا وسهلا. الولايات المتحدة تخوض حربا طويلة مخطط لها مسبقا. وفي المقال الذي كتبته في العام الماضي، قلت انني اعتقد بامتلاك الولايات المتحدة حظين من ثلاثة في الفوز في حرب طويلة ومخططة مسبقا ودموية وحظ واحد في ان تمنى بهزيمة فعلية. لكن تقريرا لوكالة الاستخبارات المركزية جرى تسريبه على نطاق واسع مؤخرا يقول ان الولايات المتحدة ربما تخسر في آخر الامر السيطرة في العراق. ربما بالغت في حظوظ تحقيق الولايات المتحدة للانتصار. على أي حال، وحده الوهم المشوش هو الذي يمكن ان يصدق ان الولايات المتحدة تبلي بلاء حسنا في حالة الارتباك الشامل هذه في العراق.  

 

نعرف الان، لأن المحافظ البارز ريتشارد بيرل لا اقل، قد اخبرنا ان صدام حسين عرض قبل الاجتياح الاميركي ببرهة قصيرة وعبر رسول جاء من قناة خلفية، عقد صفقة تسمح له بالبقاء في السلطة وتتيح للولايات المتحدة القيام بتفتيش مباشر عن اسلحة الدمار الشامل. وعلقت صحيفة //نيويورك تايمز // في السابع من تشرين الثاني 2003 على كشف هذا الخبر بما يأتي:

 

// كان مساندو الادارة مولعون بالقول حينذاك ان هناك امورا يعرفها مسؤولو ادارة بوش لكنهم لا يستطيعون البوح بها للجمهور. لكننا لم نتصور ان من بين هذه الامور عرض كان يمكن ان يوفر طريقا لتجنب الحرب//. 


في هذه الاثناء، تظهر جميع استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة، ان الجمهور الاميركي يصل ببطء ولكن بثقة الى استنتاج مفاده ان المغامرة العراقية برمتها كانت خطأ. والقى واحد من اكبر الشيوخ ارنست //فريتز// هولنغز و هو ديموقراطي من ولاية ساوث كارولاينا الذي امضى 30 عاما في الخدمة العامة، خطابا لم يحظ بتغطية واسعة في الثالث من تشرين الثاني في قاعة مجلس الشيوخ شرح فيه مخاوفه ازاء العراق. بدأ هولنغز كلامه بالقول: //لقد وصلت الى اللحظة الكمبودية في حرب العراق//.كان يشير بذلك الى حرب سابقة عندما قال الشيخ مانسفيلد عن ولاية مونتانا وزعيم الاكثرية في مجلس الشيوخ الاميركي، اثناء اجتياح كامبوديا، انه لا يستطيع ان يتحمل حرب فيتنام اكثر مما فعل. وقال هولنغز انه لا يريد الانتظار بقدر ما فعل مانسفيلد ازاء فيتنام.    

المهم في ذلك الخطاب ان هولنغز من الجنوب وكان، تاريخيا، ديموقراطيا مع ميول محافظة. ولمواجهة السلوك المرضي لنظام بوش يقول ان اعتبار هذه (الحرب) ليست تكرارا لفيتنام كلام عديم المعنى. والدمدمة في قلب اميركا التي يمثلها هولنغز امر في غاية الواقعية وتنتشر بسرعة كبيرة.

فهل في وسع الولايات المتحدة ان تخسر فعلا الحرب في العراق؟ حسنا، لقد خسرت الولايات المتحدة الحرب في فيتنام. وافترض، بطبيعة الحال، ان الامر يتعلق بكيفية تعريفكم للانتصار في الحرب. هل نقصد وضعا تبقى فيه القوات الاميركية في العراق من دون ان يطلق احد النار عليها؟ المشهد الواقعي امامنا هو تجميع القوات الاميركية في العراق وراء جدران اسمنتية حيث يصعب اطلاق النار عليها. هل يعني (الانتصار) انتخاب حكومة //ديموقراطية//؟ ان اجراء انتخابات حرة اليوم او غدا سيؤدي على الاغلب الى ظهور اكثرية شيعية وليس حكومة تتولاها ايدي اولئك المنفيين المحظيين الذين كانت تمولهم الولايات المتحدة. في الحالين، من المشكوك فيه ان يكون جون لوك او توماس جيفرسون(1) من بين ابطال المنتخبين، او ان تكون للمنخبين رؤية اقل عدائية تجاه اسرائيل مما كانت عليه رؤية صدام حسين، او ان يكونوا اقل رغبة في متابعة نشر الاسلحة النووية حالما يستطيعون. في نهاية المطاف، للعراق مصالح وطنية ايضا، وهي لا تتوافق تماما مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة.   

يبدو ان الحاكم الاميركي للعراق بول بريمر يعتقد ان في وسعه البقاء مندوبا ساميا في العراق لوقت طويل وان يقيم ببطء نظاما دمية ومقبولا. لكن الموت اليومي يجعل حتى الصقور في واشنطن يشكون في انهم يستمتعون بهذا القدر من الخداع. الافق مظلم بالنسبة الى الولايات المتحدة في العراق وفي الشرق الاوسط بل في العالم.

يضع هذا الواقع ادارة بوش في مأزق. لقد بدأوا في واشنطن يتمتمون عن استراتيجية للخروج. يعتقد البعض ان ذلك سيجني المزيد من الاصوات لبوش في (انتخابات) العام 2004 بدلا من مواصلة الاستراتيجية الحالية. لكنه ايضا قد يعني خسارة الاصوات في اوساط الانصار خائبي الامال. اذا، هذا وضع //خسارة –خسارة// بالنسبة الى بوش. ووحدها اللاواقعية المشوشة يمكنها الا تلاحظ ذلك.

                                         ايمانويل والرشتاين

________

(1)            جون لوك: فيلسوف بريطاني مؤسس المذهب التجريبي. توماس جيفرسون: الرئيس الثالث للولايات المتحدة وواضع اعلان الاستقلال

 

"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل الحقوق محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد الالكتروني وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى الدراسة من غير تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا و/او بغير ذلك من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات، يرجى الاتصال بالمؤلف على iwaller@binghamton.edu فاكس:” 1-607-777-4315

 

هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي الى ان تكون انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس العناوين الصحافية الآنية