Fernand Braudel Center, Binghamton University
http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm
التعليق الرقم 126- الاول من كانون
الاول 2003
"مستقبل العراق"
يدفع التغيير المفاجئ
في السياسة الأميركية في العراق، الخاص بإجراء انتخابات، إلى الواجهة، السؤال حول
ما هو عليه مستقبل هذا البلد. أمل القنصل الأميركي، بول بريمر، بأن يصيغ مجلس
الحكم الانتقالي الذي عينه دستورا يرضي الولايات المتحدة، ومن ثم، بعد عام أو عامين،
إجراء انتخابات وفقا لهذا الدستور. سبق وأصدر رجل الدين الشيعي الأعلى في العراق
آية الله العظمى علي السيستاني فتوى في حزيران الماضي تقول أن هذا الإجراء غير
مقبول، وأن وحده مجلسا عراقيا منتخبا يمكنه أن يصيغ دستورا. كان السيستاني الزعيم
الشيعي الأقل عداءا والأكثر استعدادا للتعاون ظاهريا مع الولايات المتحدة، وشكل
ذلك (إصدار الفتوى) ضربة للنوايا الأميركية. استغرق بول بريمر خمسة أشهر ليدرك أنه
غير قادر على تجاهل السيستاني ببساطة والمضي من دون دعمه. لذلك، طار إلى واشنطن
وعاد بتسوية مفترضة؛ ستسمح الولايات المتحدة أولا بانتخابات وبدستور في وقت لاحق.
لكن الانتخابات التي اقترحها ستكون للجان إقليمية متعددة مشكلة من أشخاص توافق
عليهم السلطات الأميركية، وهم من سينتخب المجموعة التي ستصيغ الدستور. عندها أصدر
آية الله العظمى فتوى أخرى تقول أن ذلك غير مقبول بنفس قدر الإجراء السابق. ينتظر
الجميع لمعرفة ما ستكون عليه خطوة بريمر المقبلة. في هذه اللحظة، يحاول دفع
السيستاني إلى التراجع عن موقفه. حظا سعيدا.
ما هي المشكلة؟.
المشكلة هي أن لدى الولايات المتحدة معضلة بسيطة، شرحها بوضوح السناتور جاك ريد،
وهو عضو ديموقراطي مهم في مجلس شيوخ: "قد تجلب انتخابات سريعة ومتعجلة إلى
السلطة شخصا لا يتقاسم القيم التي نحاول تشجيعها. لكن كلما انتظرنا، كلما بدا
الأمر وكأنه احتلال". إذا ما ترجمنا ذلك فهو يعني أن الولايات المتحدة تريد
انتخابات تنبثق عنها النتائج التي تتمناها، وهي تخشى من أن ذلك قد يكون صعبا. لكن
بما أن الولايات المتحدة تقول أنها غزت العراق بهدف جلب الديموقراطية (بمعنى:
انتخابات) إلى العراق، فإن عدم إجرائها أمر بالصعوبة نفسها.
ما الذي تريده
الولايات المتحدة في هذه النقطة؟. الديموقراطية، مهما عنى ذلك؟. ليس فعليا. ما
تريده الولايات المتحدة هو نظام مرن يمكن أن يحافظ بنجاح على الانتظام الداخلي
ويكون، عمليا، حليفا للولايات المتحدة في الميدان العالمي. وهكذا، تريد نظاما لا
يفعل الكثير بشأن إسرائيل/فلسطين، لا يسمح للفرنسيين ولا للروس بالحصول على منافع
اقتصادية على حساب الولايات المتحدة، ولا يكون ملاذا آمنا للإسلاميين أو
"للإرهابيين"، ولا يسعى إلى تطوير أسلحة نووية. تريد نظاما شبيها، بنسبة
ما، بمصر أو بالأردن. وأيضا، نعم، تريد الولايات المتحدة نظاما قد يسمح لها بإقامة
قواعد هناك إذا ما أرادت ذلك. أما بالنسبة للباقي (حقوق للحركات المعارضة، حقوق
مدنية، حقوق للنساء) فهي أمور لا تحظى باهتمام الولايات المتحدة، على الأرجح، شرط
ألا يقوم النظام العراقي الذي تنصبه بأي شيء يمكن أن يحرجها دوليا.
هل تستطيع الولايات
المتحدة تحقيق هذه الأهداف؟. لن يكون الأمر بهذه السهولة. السبب الأول هو أن
الولايات المتحدة تواجه صعوبات عسكرية ضخمة. ليس أنا من يقول ذلك وإنما الجنرال
باري ماكافري وهو أستاذ في دراسات الأمن الدولي في ويست بوينت، شغل منصب قائد لواء
المشاة الميكانيكي 24 في حرب الخليج للعام 1991. إذا هو رجل بالكاد يمكن وصفه بأنه مسالم يساري أو شخص يجهل
الوقائع العسكرية. اسمعوا ماذا يقول في صحيفة "وول ستريت جورنال" عدد 28
تشرين الثاني 2003: " العراق في فوضى عسكرية وسياسية والوضع لا يتحسن...
دونالد رامسفيلد في حالة إنكار للواقع
.... كثر منا قلقون من أننا لن نكون قادرين على تنفيذ الاستراتيجية التي
بدأنها في العراق لأننا لن نكون قادرين على دعمها والحفاظ عليها... قلب المشكلة هو
أن القوات الأميركية في العراق دفعت إلى حالة استنزاف".
حتى الآن، عرفنا
الحقائق الأساسية للسياسات العراقية. في البلد ثلاث مناطق: الأكراد في الشمال
والسنة العرب في الوسط والشيعة في الجنوب. أماكن تواجد النفط تتركز في الشمال
والجنوب وليس في الوسط. سيطر السنة العرب على الحكومات العراقية المتعاقبة كلها
منذ قيام الدولة الحديثة ما سبب التعاسة لكل من الأكراد والشيعة. من ناحية ثانية،
يشكل الشيعة، ديموغرافيا، حوالي 60 في المئة من مجموع عدد السكان، وأية انتخابات
حرة وغير مقيدة ستعطينا من دون شك حكومة يهيمن عليها الشيعة بقوة، وهو ما لن يعجب
السنة العرب ولا حتى الأكراد.
تم الترويج
ل"حل" يقضي بتقسيم البلد إلى ثلاث دول مستقلة. قد يخدم ذلك مصالح
الولايات المتحدة كونه سيأخذ قوة متوسطة مهمة في الميدان الجيوبوليتيكي العالمي
ويحولها إلى ثلاث دول صغيرة أكثر قابلية، كما تعلم الولايات المتحدة، للخضوع
لضغوطها. لكننا رأينا ماذا حدث في يوغوسلافيا عندما انهارت الدولة الفدرالية. لا
تزال كل الدول التي نتجت عنها، عدا واحدة، غير متجانسة عرقيا. لكن هذه الدول كانت
في أيدي المجموعة العرقية المهيمنة التي سعى معظم أفرادها إلى خلق دولة متجانسة،
ولو عبر التطهير العرقي عند الضرورة.
أما في حال لم تكن هناك أغلبية عرقية واضحة، كما هو الحال في البوسنة،
تنقسم الدولة عمليا إلى ثلاث دويلات.
يمكننا بالكاد اعتبار
يوغوسلافيا نموذجا يجب على العراقيين أن يرغبوا في الاحتذاء به. لكن هل يريد
العراقيون إتباعه؟. حسنا، سيقول الأكراد نعم، لكن السنة العرب سيعارضونه بعنف
كونهم سيخسرون بذلك كل شيء (دولة كانت قوية، سلطة ضمن هذه الدولة، نفط). أما
الشيعة فسيعارضونه أيضا على الأرجح. لماذا يقبلون (في إطار تسوية) بدولة شيعية في
وقت يمكنهم الحصول على عراق كامل تحت هيمنتهم؟. كما أن تقسيم العراق لن يكون بهذه
السهولة. ففي الشمال الكردي هناك أقليات سنية عربية وتركمانية مهمة. سيقاتل السنة
العرب للحصول على كركوك، المركز النفطي والمدينة التي يتمركز فيها العديد منهم.
وسيرحب التركمان بغزو تركي ستأخذه الحكومة التركية جديا بالاعتبار. وفي الوسط هناك أقليات
شيعية وكردية كثيرة العدد. كما أن الدولة الشيعية في الجنوب (الأكثر تجانسا بين
هذه الدول الثلاث) ستجد البقاء على مسافة من إيران أمرا أكثر صعوبة مما لو كان
العراق دولة موحدة. باختصار، إذا ما
أرادت الولايات المتحدة المضي قدما في محاولة تقطيع العراق، قد تندلع أعمال عنف
مهمة بين العراقيين أنفسهم تضاف إلى حرب العصابات المندلعة أصلا ضد الأميركيين.
ليست بالصورة الجميلة.
ماذا سيحصل إذا؟. أحد
لا يمكن أن يكون متأكدا في هذه اللحظة. من غير المرجح أن ينجو المنفيون العراقيون
الذين أعادتهم الولايات المتحدة إلى العراق، وهم المفضلون لديها، من العملية
الانتخابية. ستضع الانتخابات (وستكون هناك انتخابات) في السلطة، على الأرجح، نظاما
سيدعو الولايات المتحدة إلى الانسحاب من دون أن يعبر عن عدائية كاملة لها. عندها
هل ستتوقف حرب العصابات أم تصبح غير فعالة؟. يعتمد ذلك عما إذا كان النظام العراقي
الجديد سيحظى بقدر كاف من المشروعية ومن القوة اللازمة لهزمهم (المتمردين عليه).
كلا العنصران لا يزالان موضع شك في الوقت الراهن. وفي الخلفية، لا تزال هناك إمكانية
لولادة جديدة للقوات البعثية.
وبالنسبة للقوات
الأميركية؟. "ستستنزف"، على الأرجح، حسبما يفترض الجنرال ماكافري.
والسبب أن هناك أيضا انتخابات غير مناسبة في الولايات المتحدة. وهناك قلة صغيرة
جدا من الصقور في صفوف الشعب الأميركي. فإضافة إلى هؤلاء الذين يعارضون الحرب
صراحة، هناك مجموعة كبيرة جدا "تدعم" القوات طالما أنها موجودة هناك (في
العراق)، لكنها ترغب حقا في عودة الجنود إلى الوطن بأسرع وقت ممكن. يريد صقور
وعسكريو إدارة بوش التمسك بهدفهم الأساسي القاضي بإيصال نظام موال بحزم للولايات
المتحدة إلى السلطة في العراق، لكن مستشاري بوش السياسيين قد يبدأون الضغط عليه
للانسحاب من العراق. وكما قلت سابقا، لا تتوفر أمام بوش أية خيارات جيدة. أما
بالنسبة للعراق، فأمامه وقت طويل قبل أن يتمكن من إعادة خلق وضع سياسي مستقر.
ايمانويل والرشتاين
"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل
الحقوق محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد
الالكتروني وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى
الدراسة من غير تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا
و/او بغير ذلك من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات،
يرجى الاتصال بالمؤلف على iwaller@binghamton.edu فاكس:”
1-607-777-4315
هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي
الى ان تكون انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس
العناوين الصحافية الآنية.