Fernand Braudel Center, Binghamton University

http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm

 

 

 

التعليق الرقم 152 – 1 كانون الثاني 2005

/بوش والعالم: الولاية الثانية/

 

 

أُعيد انتخاب جورج بوش لولاية ثانية من أربع سنوات. السياسة التي سيعتمدها على الساحة الداخلية الأميركية محددة، كونه سبق وأعلن عنها بوضوح؛ سيدفع باتجاه المزيد من التخفيضات الضريبية. سيسعى إلى خصخصة نظام الضمان الاجتماعي بقدر ما استطاع. سيعين فقط قضاة يعكسون قيمه المحافظة، سواء في القضايا الاقتصادية أو الاجتماعية منها. سيسعى إلى تفريغ ما أمكنه من التشريعات البيئية من مضمونها. سيحاول تقوية سلطة الحكومة في جميع تحقيقات الشرطة ومحاكماتها. باختصار، سيطبق جدول أعمال يميني كلاسيكي. 

 

الأكثر إبهاما هو ما ينوي فعله في السياسة الخارجية، وذلك فقط لسبب واحد بسيط. فمن جهة، لقد ألزمت إدارته نفسها، خلال ولايته الأولى، وبقوة، بسياسة خارجية خاصة-  وهي التصرف الوقائي والأحادي في أي وقت ومكان. ومن جهة أخرى، لم تكن هذه السياسة الخارجية ناجحة جدا، ليس فقط في عيون نقادها في الوطن وفي باقي أنحاء العالم، وإنما حتى في عيون العديد من مؤيديها المخلصين.  هناك اضطراب في صفوف مؤيدي بوش، يمكن ملاحظته في الهبة الأخيرة من مطالبة بعض الشخصيات المحافظة باستقالة دونالد رامسفيلد مدموجة بدعم فوري لوزير الدفاع تلقاه من شخصيات أخرى، بينها الرئيس نفسه. يمثل رامسفيلد ببساطة هذه السياسات.

 

ماذا يمكن أن نتوقع الآن؟. في الواقع، هناك سؤالان هنا. هل ستطبق إدارة بوش الثانية سياسة خارجية متطابقة مع الأولى منها؟ وكيف ستكون عليه ردة فعل باقي العالم؟.

 

القضية الأقرب، زمنيا، هي العراق. الأولوية السياسية رقم واحد بالنسبة للولايات المتحدة، بينما ندخل العام 2005، هي إجراء الانتخابات العراقية في نهاية كانون الثاني. لكن لماذا هذا الأمر مهم جدا؟. في المقام الأول، إنه مهم للولايات المتحدة بهدف إظهار أنه يمكن إجراء هذه الانتخابات من حيث المبدأ برغم هجمات المقاومين. وثانيا، إنه مهم لأن أميركا تخشى، في حال لم تجر، أن يلقي آية الله السيستاني باللوم عليها ويغير عندها موقعه من شخص يتخذ بحذر مسافة من الولايات المتحدة إلى عدواني فاعل ضدها. ثالثا، إنه مهم لأن الولايات المتحدة تأمل أن تكون قادرة على تحويل المعركة السياسية- العسكرية في العراق من تلك التي يتواجه فيها المقاومون العراقيون مع أميركا إلى واحدة تكون فيها المواجهة بين المقاومين العراقيين وبين حكومة عراقية منتخبة شرعيا. لكن رابعا، هذا الأمر  مهم لأنه يُنظر إليه على أنه شرط أساسي لتقليص عديد القوات الأميركية في العراق. بالطبع، هناك آخرون من التواقين أيضا إلى هذه الانتخابات- الحكومة العراقية المؤقتة والأحزاب الشيعية الأساسية على وجه الخصوص.

 

ستجري الانتخابات، إذا، بلا ريب، وسط عنف مستمر وربما متصاعد، ووسط معدل عال من المقاطعة، خاصة في المناطق السنية. لكن ماذا سيحصل عندها؟. سترى على الأرجح حكومة جديدة مع زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم رئيسا للوزراء. قد تبدأ هذه الحكومة بحد أدنى من القبول بها كحكومة وطنية، وقد لا تفعل. يعتمد ذلك على كيفية سير الانتخابات فعليا وعلى سلوك الحكيم. غير أنه من المؤكد تقريبا أن المقاومة ستستمر وستتهم الحكومة الجديدة بأنها دمية للولايات المتحدة. وسيكون على الحكومة العراقية الجديدة، عاجلا أم آجلا، أن تختار بين مواصلة تطبيق سياسة اياد علاوي الموالية علانية للأميركيين، وبين اعتماد خط قومي أكثر انسجاما  مع مطالب الشعب العراقي. ليس على المرء أن يكون خبيرا في شؤون الشرق الأوسط ليخامره شعور أن الحكومة العراقية الجديدة ستختار، عاجلا أم آجلا، أن تكون أكثر قومية، لكي تكون قبل كل شيء أكثر مشروعية.

 

عندها ستأتي الضغوط على الولايات المتحدة لكي تسحب قواتها من جهات ثلاث:  من المقاومين ومن الحكومة العراقية الجديدة ومن الرأي العام في الوطن. تشير جميع استطلاعات الرأي، داخل الولايات المتحدة، أن مزيدا ومزيدا من الناس يشعرون ببساطة أن الثمن الذي تدفعه أميركا بجنودها القتلى والجرحى وكلفة الحرب مرتفعان جدا. الولايات المتحدة في بداية ردة فعل انعزالية. وبما أنه كان للانعزالية دائما دعما قويا داخل الحزب الجمهوري، سنبدأ في رؤية مؤيدي الرئيس وهم يضغطون بأنفسهم باتجاه انسحاب القوات.

 

لا شك بأن هناك آخرين ضمن إدارة بوش، مثل ذوي النزعة العسكرية والمحافظين الجدد (وهما ليسا متطابقين)، سيقاتلون هذه النزعة بقساوة وبكل الوسائل. لكن هذا المعسكر أكثر ضعفا مما كان عليه في العام 2003. إذا يمكننا أن نحصل على تحول كبير في السياسة الخارجية الأميركية. ما لن نحصل عليه هو الموقع الوسطي المتناغم لل/تعددية القطبية/ العزيز على قلب كولن باول ومستشاري الرئيس بوش الأول مثل برنت سكوكروفت، والعزيز أيضا على قادة الجناح الأكثر محافظة في الحزب الديموقراطي (مثل السناتورين بايدن وليبرمان).

 

ما سيحصل في ما يتعلق بالعراق سيكون مؤشرا على ما تبقى من سياسة بوش الخارجية. إنها بالفعل الحالة التي تراجع خلالها بوش، في ما يتعلق بكوريا الشمالية وإيران، إلى موقع من الاعتراف التكتيكي بالعجز.  يتصرف فريق بوش ويتكلم بغرور وازدراء، لكنهم يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا إلا القليل. سيكونون سعداء في رؤية المفاوضات وقد استؤنفت بين إسرائيل وفلسطين، وهو ما يحاول بلير أن يفعل ما في وسعه لكي يدفع باتجاهه، لكن الولايات المتحدة بالكاد ستساير تطورات كهذه عوض أن تكون المسوق الرئيسي لها. لن تمضي هذه المفاوضات المتجددة، بأية حال، بعيدا جدا على الأرجح. وفي هذه الحال، سيؤدي الموقف المسترخي لإدارة بوش إلى حمايتها من أضرار داخلية كبيرة في الولايات المتحدة.

 

إذا ما نظرنا عبر العالم، أين يمكن لبوش أن يتصرف الآن؟. في كوبا؟. إنه يرغب بذلك بلا شك. لكن هناك اليوم مسؤولون حكوميون في ألاباما  (قلب بلد بوش) يقولون إنهم إذا لم يبيعوا دجاجا إلى كوبا فإن البرازيل ستفعل، ويضيفون أن القيود الحكومية على التجارة مع كوبا ما هي إلا استرضاء غير مبرر للمنفيين الكوبيين في فلوريدا. لا توجد هناك أية إشارة على أي دعم جدي داخل الولايات المتحدة لمغامرة كوبية. في روسيا؟. لقد شاهدنا للتو كيف أن بوش مضى قدما في تأكيده على أن أميركا ستواصل العمل مع بوتين برغم ما تسببت به الانتخابات الاوكرانية من دعاية سيئة للرئيس الروسي داخل الولايات المتحدة. في الصين؟. تحول المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة دون أي شيء عدواني، برغم عدم ارتياح إدارة بوش حيال الدور السياسي المتزايد للصين في آسيا. في أوروبا؟. حتى /أوروبا الجديدة/ الخاصة برامسفيلد بدأت تهجر الولايات المتحدة ببطء. باختصار، ليس أمام بوش الكثير من الخيارات المتاحة. وبما أن بوش سياسي حذر ومجرد من أية مبادئ خلقية، فهو لن يريد أن مشاركا في لعبة حيث الأفضلية ليست إلى صالحه إلى هذا الحد.

 

وكيف ستكون عليه ردة فعل العالم على الانكفاء الواقعي للولايات المتحدة- عسكريا واقتصاديا؟. يمكن أن يتوقع المرء أن يحاول الجميع، بعد فترة أولية من الحذر، الاستفادة من العرض الجديد لضعف الولايات المتحدة الجيوبوليتيكي. المشكلة هي أنه، ما أن يتقلص التواجد الأميركي في العالم، فإنه سيكون أشبه بإخراج فيل من غرفة معيشة. أحد ليس متأكدا فعلا من كيفية إعادة شغل المكان. وربما إنها الحالة التي لا يوجد فيها أحد يملك سلسلة من السياسات الجاهزة بالكامل لوضع كهذا. إذا، سيكون هناك تصادم مشوش بين جميع اللاعبين الجيوبوليتيكيين الآخرين.  كانت الولايات المتحدة أصلا قوة مهيمنة في حالة انحدار عندما جاء بوش إلى السلطة في العام  2001. في إطار سعيه لاستعادة موقع الولايات المتحدة في العالم خلال السنوات الأربع الأولى له في السلطة، جعل بوش الوضع، في الواقع، أكثر سوءا بالنسبة لأميركا. ستحصد الولايات المتحدة (وبوش) ثمرة حماقته في الولاية الثانية.

 

ايمانويل والرشتاين

 

"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل الحقوق محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد الالكتروني وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى الدراسة من غير تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا و/او بغير ذلك من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات، يرجى الاتصال بالمؤلف على immanuel.wallerstein@yale.edu فاكس:” 1-607-777-4315

 

هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي الى ان تكون انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس العناوين الصحافية الآنية.