Fernand Braudel
Center, Binghamton University
http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm
التعليق الرقم 154-الاول من شباط 2005
نحو توحيد الصين؟
في كانون الثاني 2005، عقد ممثلو حكومة
الصين وسلطات تايوان اجتماعا في المغرب وصف بأنه /تاريخي/. اتُفق على تسيير رحلات
مباشرة، للمرة الأولى منذ العام 1949، بين الأرض الأم، الصين، وبين تايوان. صحيح
أن هذا الاتفاق كان لثلاثة أسابيع فقط، تبدأ في 29 كانون الثاني. وصحيح أيضا أن
هذه الرحلات اقتصرت على الأشخاص المقيمين في تايوان، والذين استقروا مؤقتا في
الأرض الأم، بغية السماح لهم بالعودة لرؤية عائلاتهم خلال الاحتفالات بالعام
الصيني الجديد. من هم هؤلاء الأشخاص الذين سمح لهم بالاستفادة من رحلات
كهذه؟. كانوا مواطنين تايوانيين
يديرون أعمال على الأرض الأم. هناك بين 700 ألف ومليون منهم، وعددهم يتزايد بشكل
مطرد. وإذا أخذنا بالاعتبار التصريحات الطنانة والقاسية الأخيرة التي تبادلتها
بكين وتايبيه، كان الاتفاق غير متوقعا وأرسى سابقة.
يجب أن يدرك المرء الخلفية التاريخية ليتمكن من تقييم
أهمية الاتفاق المذكور. نتحدث عن استمرارية الحضارة الصينية على مدى خمسة آلاف
عام. لكن إذا نظر المرء عن قرب إلى تاريخ الصين، كانت هناك سلسلة من الإمبراطوريات
التي دامت بعضا من الوقت تبعته دائما فترات من الانهيار الكامل للسلطة المركزية.
لطالما كان التاريخ السياسي للصين محاولة مستمرة للحفاظ وحدة البلاد أو استعادتها.
في القرن التاسع عشر، كانت الإمبراطورية الصينية هدف
هجوم من القوى الإمبريالية الخارجية. جعل ضعف هذه القوى من الثورة الصينية للعام
1911 أمرا ممكنا، وقد انتهت السلالة الإمبراطورية الحاكمة. لكن النزعات الإقليمية
والحروب الأهلية اجتاحت الصين، بدءا من العام 1911، إلى أن دخل الحزب الشيوعي
الصيني وجيشه شانغهاي في العام 1949 وأعلن جمهورية الصين الشعبية. تمت استعادة
الوحدة... تقريبا.
ما حصل، كما نعلم، هو أن حكومة الصين السابقة، التي
يرئسها شيانغ كاي شك والتابعة للحزب الوطني (كيومينتانغ)، انسحبت مع جزء من جيشها
إلى جزيرة تايوان، واستمرت في محاولتها التأكيد، بدعم من الحكومة الأميركية، بأنها
حكومة الصين. عندها، كان على العالم أن يختار بين طرفين يدعي كل منهما بأنه
الحكومة الشرعية ل/الصين الموحدة/؛ الأول موجود على الأرض الأم، والثاني في
تايوان. وبما أن الخلاف الأساسي بين الحكومتين كان سياسيا، اختار باقي العالم
الجانب الذي يناصره انطلاقا من موقعه في إطار صراع الحرب الباردة بين الولايات
المتحدة والاتحاد السوفياتي. كانت نتيجة ذلك، أن الحكومة التي تتخذ من تايوان مقرا
لها احتفظت، ولفترة طويلة، بمقعد الصين في الأمم المتحدة.
لكن دولا متعددة غيرت موقفها شيئا فشيئا وتزايد باطراد
عدد الدول التي تعترف ببكين. في تموز من العام 1971، قام (وزير الخارجية الأميركي
في ذلك الحين) هنري كيسنجر بزيارة
سرية إلى بكين، لتحضير زيارة لاحقة للرئيس (ريتشارد) نيكسون. في تشرين الأول من
العام نفسه، اعتمدت الجمعية العام
للأمم المتحدة، أخيرا، قرارا يعترف بأن حكومة بكين هي المالك الشرعي لمقعد الصين
في المنظمة الدولية. في شباط من العام 1972، جاء نيكسون إلى بكين للقاء ماو تسي
تونغ. وفي 28 من الشهر نفسه، وقعت الولايات المتحدة والصين، في نهاية هذا اللقاء
غير المتوقع، إعلان شانغهاي الذي
جاء فيه أن /الولايات المتحدة تعترف بأن جميع الصينيين على طرفي مضيق تايوان
يؤكدون أنه لا توجد سوى صين واحدة وأن تايوان جزء من الصين. إن حكومة الولايات
المتحدة لا تعترض على هذا الموقف/.
في العام 1979، أقامت الولايات المتحدة وحكومة بكين
علاقات دبلوماسية. قطعت واشنطن علاقات كهذه مع حكومة تايوان وأبطلت ميثاق الدفاع
المشترك الأميركي الصيني. بقيت حكومة تايوان بالطبع في مكانها. غير أن تحولا في
النزاع بدأ الآن. بالأصل، في العام 1949، كان النزاع يدور حصرا حول السياسات
والحرب الباردة. لكن في ثمانينيات القرن الماضي، بدأت المجموعة الموجودة في
تايوان، والتي تناصر فكرة الاستقلال التايواني، تكسب قوة. باتت هناك قضية ثانية،
مختلفة جدا عن الأولى. وفيما كانت قضية الحرب الباردة تبهت (إلى أن اختفت على نطاق
واسع في التسعينيات)، احتلت قضية
الانفصال المقدمة.
تدعو
الصين إلى إعادة دمج تايوان في الهيكل السياسي للبلد. من يقاوم هذا التوجه في
تايوان يفعل ذلك لسببين: القلق من طبيعة النظام السياسي في جمهورية الصين الشعبية
والإيمان بحق التايوانيين بالانفصال. تقف الصين بالطبع، كغيرها من بلدان العالم
التي تواجه مشكلة تعدد المجموعات العرقية داخل حدودها، بصرامة ضد الانفصال. انظر
إلى مواقف مشابهة تتخذها هذه الأيام، من بين دول أخرى، كندا وأسبانيا وفرنسا
وروسيا وجورجيا وتركيا والسودان وسريلانكا واندونيسيا.
حصل تطور في تغير مهم آخر في علاقات الصين مع تايوان.
بدأت قوة تايوان الاقتصادية وثروتها تنموان، في ستينيات القرن الماضي، إلى أن
أصبحت موضع مهم لتراكم رأس المال. لكن التغير في السياسة الاقتصادية في جمهورية
الصين الشعبية، والذي بدا في ثمانينيات القرن الماضي، أدى أيضا إلى نمو قوتها
الاقتصادية وثروتها، إلى أن بلغت مرحلة باتت فيه المنافسة الآتية من الأرض الأم
تهدد رفاهية تايوان. كانت إحدى
نتائج ذلك رغبة رجال الأعمال المتمركزين في تايوان بنقل بعض من استثماراتهم
الاقتصادية على الأرض الأم. ينطبق ذلك على نحو مليون تايواني يعملون الآن على
الأرض الأم. على المدى الطويل، باتت
لهذه المجموعة مصلحة كبيرة في مزيد من العلاقات الاقتصادية بين الأرض الأم وتايوان
لا تعود عليهم إلا بالربح. وقد
يتطلب ذلك علاقات سياسية أوثق. ربما لدينا الآن ، وللمرة الأولى، مجموعة سياسية
نافذة ضمن تايوان مهتمة بفعالية بإعادة التوحيد.
هناك عامل آخر يؤدي دورا هنا. إنه المسرح الجيوبوليتيكي
المتغير؛ الانحدار في القوة الأميركية عبر العالم وقوة الصين الجيوبوليتيكية
المتنامية. لا يمكن لذلك أن يساعد وإنما يثير مزيجا من القومية الصينية المتزايدة
بين التايوانيين، ومن الرغبة النابعة من مصلحة ذاتية بركوب الموجة الجيوبوليتيكة.
هل هذا كاف لاستعادة الوحدة في المستقبل القريب؟. يعتمد
ذلك على العديد من الأمور: درجة الانعزالية في الولايات المتحدة؛ درجة تحسن
العلاقات الصينية اليابانية؛ مدى
حصول خطوات جدية نحو إعادة توحيد كوريا؛
يمكن لذلك كله أن يهيئ المناخ السياسي ويغير ديناميكيات العلاقات الصينية
التايوانية. إذا حصل وأقيمت خلال
السنوات ال10 أو ال12 المقبلة جبهة إقليمية في شرقي آسيا تضم الصين وكوريا
واليابان فلن ترغب تايوان بان تكون خارجها.
ايمانويل والرشتاين
"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل الحقوق
محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد الالكتروني
وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى الدراسة من غير
تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا و/او بغير ذلك
من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات، يرجى الاتصال
بالمؤلف على immanuel.wallerstein@yale.edu فاكس:”
1-607-432-6976
هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي الى ان تكون
انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس العناوين
الصحافية الآنية.