http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm
التعليق الرقم 156- الاول من آذار 2005
أميركا وأوروبا: حليفتان ظاهريا
قرر جورج بوش، بعدما فشل في ترهيب أوروبا
خلال ولايته الأولى، أن يجرب تكتيكا آخرا. سافرت أولا كوندليسا رايس ومن ثم دونالد
رامسفيلد ومن بعده بوش بنفسه إلى
أوروبا في هجوم فتان. قالوا جميعا، بشكل أساسي، الأمور الثلاثة نفسها. لننس
شجاراتنا حول العراق؛ تعتبر الولايات المتحدة أوروبا حليفتها؛ ولنناقش ما تريده
الولايات المتحدة الآن وما يمكن أن نقوم به معا. لكنهم جميعا أضافوا أمرا رابعا:
ستبقى الولايات المتحدة تقوم بما تريد إذا لم يوافق الأوروبيون أو يتعاونوا. قال
بوش، خلال مؤتمر صحافي في أوروبا، حول النقاش مع الأوروبيين في ما يتعلق بإيران:
/الفكرة العامة بأن الولايات المتحدة تستعد لمهاجمة إيران هي ببساطة فكرة سخيفة.
وبعد قولي هذا، تبقى جميع الخيارات على الطاولة/.
لائحة القضايا التي تختلف فيها الولايات المتحدة
وأوروبا، طويلة جدا: حرب العراق والعلاقات الحالية مع النظام العراقي؛ التعامل مع
سجناء غوانتانامو؛ السياسة الواجب إتباعها حول /إسرائيل/فلسطين؛ كيفية التعامل مع الانتشار النووي في
إيران، وفي كوريا الشمالية؛ ما إذا كان يجب الحفاظ على حظر الأسلحة المفروض على
الصين؛ الحظر المفروض على كوبا؛ ما إذا كان حلف الأطلسي يجب أن يبقى الإطار
الأساسي الذي تحدث في ضمنه العلاقات الأوروبية الأميركية، في مقابل تعامل واشنطن
مع الاتحاد الأوروبي؛ /غاليليو/ في مقابل /جي بي اس/ كأنظمة إبحار عبر الأقمار
الاصطناعية؛ الحاجات الملحة الناتجة عن التغيير المناخي واتفاقية كيوتو: دعم
المحكمة الجنائية الدولية؛ الشكاوى المتبادلة (والتهديدات بالانتقام) المتعلقة
بدعم الصناعات؛ التعديلات الوراثية على البذور الزراعية؛ المنافسة بين /بوينغ/
و/ايرباص/؛ وأخيرا وليس آخرا، بروز اليورو كعملة احتياط عالمية محتملة.
هناك الكثير من الأمور التي تجب الإشارة إليها حول هذه
اللائحة. فهي تتضمن تقريبا كل قضية جيوبوليتيكية مهمة. تتضمن عددا كبيرا من
القضايا المركزية في الاقتصاد العالمي. إنها تقريبا جميع القضايا التي بلغ عمر
الخلاف فيها الآن سنوات عديدة. إنها تقريبا جميع القضايا حيث اختلاف المواقف كبير
جدا. إنها جميع القضايا التي يؤمن بها كلا الطرفين بقوة، والتي من الصعب أن ترى متسعا كافيا
لتسوية. وهناك أمر أخير تجب الإشارة إليه. إذا سأل المرء عن موقف
روسيا من هذه القضايا، يجد أن موسكو تتخذ في أكثرية الحالات موقف أوروبا نفسه.
إذا، بأي معنى يمكن للمرء أن يقول إن الولايات المتحدة
وأوروبا لا تزالان حليفتان؟. حسنا، إنهما تتشاركان بعضا من المصالح المشتركة
المهمة بينهما. كلتاهما مركز أساسي لتراكم رأس المال. كلتاهما مهتمتان بالحفاظ على
الاستقرار في الاقتصاد العالمي. كلتاهما قلقتان من المطالب المتنامية لبلدان
الجنوب في مفاوضات شمال- جنوب في إطار منظمة التجارة العالمية. باختصار، كل منهما
لا تريد أن ترى أي تحول جذري في النظام العالمي الذي نعيش فيه. كانت منابع القلق
هذه أساس التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا، ولن تختفي.
إذن، يمكن للمرء أن يجادل بأن النزاع هو بالكاد حول
استراتيجية يتقاسم الطرفان ضمنها أهدافا مشتركة. وبمعنى ما، هذا هو ما فتئ القادة
الأوروبيون يناقشونه منذ بعض الوقت. لكن يبدو أنهم لم يتمكنوا من إقناع الولايات
المتحدة بذلك. لم تعتد واشنطن مناقشة الاستراتيجية مع حلفائها. اعتادت أن تقرر بشأن الاستراتيجية
وبالكاد مناقشة القضايا التكتيكية الهامشية مع حلفائها الذين اعتادوا بدورهم ألا
يكونوا في الواقع حلفاء وإنما أتباع موالين. قوضت تركيبة الانحدار الاقتصادي
للولايات المتحدة ونهاية الحرب الباردة والإخفاق التام في العراق، قدرة واشنطن
كلها على المساومة.
لا تزال إدارة بوش غير قادرة على تصديق أن ذلك كله قد
حصل فعلا. كان الهجوم الفتان عبارة عن مجرد كلمات معسولة. لحظ أحد المراقبين
البارزين ذلك بوضوح. حضر وليام كوهين، السناتور الجمهوري لفترة طويلة من ماين
ووزير الدفاع في إدارة كلينتون، إحدى المناسبات العديدة في الأيام الأخيرة حيث
كانت الولايات المتحدة تنشر خطها الجديد في أوروبا. قال إن /النغمة كانت مختلفة
لكن اللحن هو نفسه/. كما أن الأوربيين لم يخدعوا, ابتسم جاك شيراك برزانة لبوش
وأذعن للولايات المتحدة في أحد أهم مطالبها وهو التدريب العسكري لقوات الأمن
العراقية تحت قيادة حلف الأطلسي. خصصت فرنسا ضابط واحد لهذه المهمة. واستجاب
فلاديمير بوتين لمزاح جورج بوش المهذب عبر تأكيد التزام روسيا بتأمين مواد نووية
مخصبة لإيران وصواريخ أرض- جو متقدمة لسوريا.
في أيلول العام 2004، كتبت تعليقا بعنوان /لا مهابين ولا
محبوبين؟/ اقترحت فيه أنه يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل بواقعية مع التمتع بكلا
الفائدتين. أنا سعيد بأن أفيد أن
هذه الفكرة اعتمدت من قبل إحدى المجلات الرئيسية في الولايات المتحدة، /التايم/.
ففي عددها الصادر في 21 شباط 2005، كتب طوني كارون: /الحقيقة هي أن إدارة بوش لا
محبوبة ولا مهابة في القطاعات المتنامية للمجتمع الدولي- يتم ببساطة تجاهلها بصورة
متزايدة/.
لا تريد أوروبا ولا روسيا ولا حتى الصين، لهذا السبب،
التورط في صراع دام ومفتوح مع الولايات المتحدة. لكن أيا منها لا تريد أيضا التسليم بأسس مهمة للمواقف الأميركية التي تزداد غرابة.
تعمل أوروبا على أن تستقر في موقع الحليف الظاهري، ابنة عم متسامحة تساير الولايات
المتحدة عندما يتوجب عليها ذلك، وتتجاهلها ما تبقى من وقت. وعلى أميركا أن تقرر
الآن ما إذا كانت سترد بفظاظة (وخطورة) وتبرهن أنه لا تزال لديها ألعاب عسكرية عبر
توجيه ضربات لهم، أو تدرس بنضوج الخيارات المتوفرة حقا أمامها في القرن الحادي
والعشرين. تحت إدارة بوش، لن أراهن
على الخيار الأخير.
ايمانويل
والرشتاين
"حقوق النشر لايمانويل والرشتاين. كل الحقوق
محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل الالكتروني والارسال بالبريد الالكتروني
وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير التجارية، بشرط ان تبقى الدراسة من غير
تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية. لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا و/او بغير ذلك
من الاشكال، بما فيها على مواقع الانترنت التجارية والاقتباسات، يرجى الاتصال
بالمؤلف على immanuel.wallerstein@yale.edu فاكس:”
1-607-432-6976
هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي الى ان تكون
انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس العناوين
الصحافية الآنية.