http://fbc.binghamton.edu/commentr.htm
التعليق الرقم 157- 15 نيسان 2005
شرقي آسيا والعالم: العقود المقبلة
اعتقد بعض المحللين في العالم الغربي، في ستينيات القرن
الماضي، أن لا اليابان ولا الصين، ولا كوريا بالطبع، يمكن أن تصبح لاعبا رئيسيا في
الاقتصاد العالمي. اليوم، لا يوجد أدنى شك بأنها كذلك تحديدا. في ثمانينيات القرن
الماضي، كانت هناك مقالات لا نهاية لها، وهستيرية تقريبا، في الإعلام الغربي حول
الهيمنة المقبلة لليابان. اختفى هذا الموضوع في التسعينيات ليستبدل في سنوات ما
بعد العام 2000 بسلسلة من المقالات المشابهة، الهستيرية أيضا، حول الهيمنة
المحتملة المقبلة للصين. ما هي الحقيقة؟.
يبدو أن هناك القليل من الشك حول أن شرقي آسيا حققت
تقدما ضخما كمركز لتراكم رأس المالي والتكنولوجيا المتقدمة والإنتاجية الناهضة.
علاوة على ذلك، تتحرك التقييمات (لمستوى تقدم هذه الدول) كلها صعودا وبثبات. المهم
بالطبع، ليست الأرقام المطلقة، وإنما الأرقام بالنسبة إلى غيرها من مراكز تراكم رأس
المالي- الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بشكل خاص. يمكن للمرء أن يقول، بشكل
أكثر شمولية، إن القوة الاقتصادية للولايات المتحدة انحدرت، منذ سبعينيات القرن
الماضي، نسبة لكل من أوروبا الغربية وشرقي آسيا، وأن أوروبا الغربية وشرقي آسيا
بقيتا على المسافة نفسها من بعضهما البعض.
أشير هنا إلى القوة في جميع الميادين- الإنتاج والتجارة
والتمويلات. آخر الحصون القوية
للولايات المتحدة هو في الواقع أن الدولار يبقى عملة الاحتياط العالمي. غير أن
الانخفاض المستمر لقيمة الدولار تسبب بعجز مالي هائل للولايات المتحدة إن في المديونية
المحلية أو في الحسابات الجارية، عجز يبدو أنه ينمو بثبات وقد وضع هذا الحصن موضع
شك. وكما لاحظ الجميع، لم تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع هذين العجزين
الضخمين إلا عبر الاستدانة. وأكبر الدائنين هم الصين واليابان إضافة إلى كوريا
(الجنوبية) وأن بقدر أقل. الجدل الكبير في الإعلام العالمي يدور حول ما إذا كانت
شرقي آسيا ستواصل شراء سندات الخزانة الأميركية بالفوائد نفسها التي كانت تتلقاها
في السنوات الأخيرة. أشارت هذه الدول الثلاث جميعها، خلال الأشهر الستة الأخيرة،
إلى أنها تبحث في تنويع أكبر في سنداتها من العملات الأخرى. يُحاجج بشكل عام (ولكن
من دون إجماع) بأن قيمة الدولار ستشهد، ما أن تبدأ شرقي آسيا القيام بذلك، مزيدا
من الانخفاض، وربما بشكل سريع جدا، وأن ذلك قد يؤدي إلى كساد، ليس فقط في الولايات
المتحدة، وإنما في أنحاء أخرى من العالم.
يبدو لي واضحا أنه ليس لإدارة بوش أية نية أو إمكانية
سياسية لضبط أي من العجزين. سيكون على بلدان شرقي آسيا أن تختار في المستقبل
القريب بين خطرين: من جهة، إذا قلصت استثماراتها في سندات الخزانة الأميركية،
ستكبح قدرة الولايات المتحدة على شراء منتجاتها، وهي تخاطر بالتالي، نتيجة لذلك،
بانخفاض في العمالة والأرباح. من جهة أخرى، إذا واصلت استثماراتها في الدولار
المتهاوي، فهي تخسر عبر الوقت ثروتها الوطنية. الأول هو خطر قصير الأمد، أما
الثاني فهو خطر متوسط الأمد. ومع تنامي العجز الأميركي، سيقترب الخطر متوسط الأمد
بلا شك، أكثر فأكثر إلى الواجهة. في الواقع، سبق أن بدأ ذلك بالحصول. أعتبر من
الحتمي عمليا أن شرقي آسيا ستنوع (استثماراتها في العملات الأجنبية) وأن الدولار
سيخسر وضعه كعملة الاحتياط العالمي الوحيدة. واعتقد أن الولايات المتحدة ستخسر،
اقتصاديا وسياسيا، من جراء ما سينتج عن ذلك من اضطراب كبير، أكثر بكثير من شرقي أسيا، وسيكون هذا الاعتبار في الواقع حافزا لشرقي آسيا
كي تقوم بذلك عاجلا وليس آجلا.
ماذا سيحصل عندها؟. سيصبح نظامنا العالمي، الفوضوي
بالفعل إلى حد ما، أكثر فوضوية. مصدر قلق الجميع هو تأثير هذه الفوضى على القدرة
العسكرية وصراع القوة. إنه لأمر التنبؤ به صعب جدا. أحد الأسباب هو أن الولايات
المتحدة يمكن أن تتحرك في أحد اتجاهين مختلفين جدا؛ العودة إلى الانعزالية المبنية
على أميركا الحصينة أو المزيد من المغامرات الأحادية. يمكن أن تقوم حتى بكلا
الأمرين- أولا المزيد من المغامرات ومن ثم أميركا الحصينة. هذا الأمر مهم جدا بالطبع لشرقي آسيا.
سيكون له تأثير مباشر على التطورات في الجزيرة الكورية وعلى التوتر بين الحكومة
الصينية وتايوان. سيجعل من قضية ما إذا كانت اليابان ستنهمك أم لا في عملية إعادة
تسلح كبرى أمرا طارئا. ستطرح في كل من كوريا الجنوبية واليابان قضية ما إذا كان
يتوجب عليهما التوجه نحو تطوير أسلحة نووية.
ستجد شرقي آسيا أنها تواجه سؤالا أساسيا: ما إذا كانت
المنطقة ستسلك أم لا اتجاها نحو نوع من الاندماج الجدي، كما فعلت أوروبا على مدى
نصف القرن الماضي. الصعوبات واضحة. كل من الصين وكوريا بلد مقسم، يسعى إلى إعادة
التوحد. وتضمر هذه البلدان الثلاثة- الصين واليابان وكوريا- ضيما تاريخيا كبيرا
لبعضها البعض. ضيم كهذا ليس غير قابل للتجاوز، حسبما أظهرت قصة أوروبا، لكن يجب أن
يؤخذ بجدية أكبر ويعالج، بطريقة ما، مباشرة. هل سيحصل ذلك؟.
إيجابيات التحرك باتجاه التعاون الشرق آسيوي والمصالحة
بديهية. ستصبح القوة المتحدة، الاقتصادية والسياسية، ونعم العسكرية، لشرقي آسيا
مرعبة في نصف القرن المقبل. سيلعب التكتل الشرق آسيوي خلال التحول الذي يخضع له
النظام العالمي، من بنيته التاريخية الحالية- الاقتصاد العالمي الرأسمالي- إلى شيء
آخر، دورا مركزيا، وربما الدور
المركزي.
والجانب السلبي واضح أيضا. أولا، جهد كهذا سيواجه معارضة
قوية جدا من قبل الولايات المتحدة، وأيضا من قبل أوروبا الغربية، وإن بشكل أقل
حدة. قد يواجه أيضا بمعارضة من قبل الهند.
لكنه سيفتح جدالا، ولعل هذا هو الأكثر أهمية، حول الدور النسبي للصين واليابان في أية ترتيبات تكون موضع
نقاش، وحول عدم رغبة كوريا بأن تعامل كشريك ثانوي ليس لديه الكثير من الحق ليكون
لها صوت.
كثير من الجهود لقيام وحدة إقليمية انهارت في القرن
الماضي بسبب قضايا كهذه.
المهم أن نفهم أن مسألة الاتفاق السياسي لشرقي آسيا
واندماجها هي قضية يكمن حلها بالكامل تقريبا ضمن سلطان شرقي آسيا. لن يكون بمقدور
باقي العالم القيام بالكثير في هذا الشأن سواء لجهة تقديم المساعدة، أو حجبها.
الكرة، كما نقول، في ملعب شرقي آسيا.
ايمانويل وارشتاين
"حقوق
النشر لايمانويل والرشتاين. كل الحقوق محفوظة. يمنح الاذن بالانزال والتحويل
الالكتروني والارسال بالبريد الالكتروني وبالنشر على مواقع الانترنت للهيئات غير
التجارية، بشرط ان تبقى الدراسة من غير تعديل وان تظهر ملحوظة حقوق الملكية.
لترجمة هذا النص ونشره مطبوعا و/او بغير ذلك من الاشكال، بما فيها على مواقع
الانترنت التجارية والاقتباسات، يرجى الاتصال بالمؤلف على immanuel.wallerstein@yale.edu فاكس:” 1-607-432-6976
هذه التعليقات التي تنشر مرتين شهريا، ترمي الى ان تكون
انعكاسا لمشهد العالم المعاصر، كما يُرى من منظور بعيد المدى وليس العناوين
الصحافية الآنية.